أبو الحسن العامري

342

رسائل أبو الحسن العامري

المتكلمين عاضدوا السوفسطائية بجحد النسب الذاتية بين هذه المعاني الطبيعية ؛ بل عطّلوا الجواهر كلّها عن خصائص ما شوهد من أفعالها ، ما خلا الفعل الاختياري غير « 32 » المنسوب إلى الجوهر الحيواني . وادّعوا أنّ اللّه - تعالى جدّه - لم يخصّ جوهر النار بقوة ، تصلح لأن يصدر عنها فعل الاحراق ؛ بل ابتدع الاحراق في الجوهر المحترق ، حين ملاقاة « 33 » النار إيّاه . وهكذا الحال في الجمد عند التبريد ، والماء عند الترطيب ؛ وهكذا الحال في الحجر عند هويه واللهيب عند صعوده . ثم طائفة من هذه الفرقة قد تخطّوا هذه المقالة ، وادّعوا أنّ العين السليمة - وإن حاذاها الشبح الملوّن على اعتدال من البعد ، في هواء مضيء - فإنها وإن قصد بها الادراك فلن تدركه أصلا ( بذاتها ) ، بل « 34 » بأن يحدث اللّه فيها « 35 » ، عند مقابلتها إيّاه ، إدراكا مبدعا . فأما أن يكون قد أعدّ جوهر العين ، بخاص قوته ، لفعل الادراك فكلا . وهكذا الحال في سواها من « 36 » الحواس الأربع أيضا . ثم طائفة منهم قد تجاوزوا هذه الأعجوبة إلى أن زعموا أنّ النار ليس فيها حرارة ، وأنّ ما تحسّه منها هو انقلاب يحدثه اللّه تعالى في أعضائك « 37 » . وهكذا الحال في الرطوبة والبرودة . وأنّ اللّه - تعالى جدّه - ما خلق في عالمه شيئا سوى الجواهر ؛ وأنّ التي تسميها الحكماء أعراضا ليست لها حقيقة أصلا بل هي ألقاب فارغة وأوهام متخيّلة . ثم طائفة منهم أقدموا على التصريح بأنه ليس / في السمسمة دهن ، ولا في الزيتونة زيت . والدليل عليه أنهما لو كسرتا لما انصبّ عنهما شيء من الدهن . غير أنّ اللّه تعالى ، عند معالجتنا إيّاه ، يحدث الدهن والزيت فيهما من خارج ، إبداعا .

--> ( 32 ) الكلمة في الأصل غير واضحة . ( 33 ) ص : ملاقاة . ( 34 ) ص : له . وجاء في الهامش « لعله بل » . ( 35 ) ص : فيهما . ( 36 ) عبارة « سواها من » غير واضحة في الأصل . ( 37 ) ص : أعضائه .